“جمعة النزهان”: لوحاتي أبنائي، وبيئتي زادي الفني

يتدرّج الأسود بلوحات “جمعة النزهان” مانحاً انطباعات تأخذك إلى أيام الحصار والعزلة في مدينته “دير الزور”؛ فاللوحة هي الصديقة التي يشكو لها همّه، وهي تشبه ذكريات يستدعيها ويتأملها، لكنه ينتفض مشرعاً ريشته؛ لينشر الفنّ والأمل والجمال.

تكبير الصورة
للإضاءة على المسيرة الفنية للفنان التشكيلي “جمعة النزهان”وقال عن بداياته: «عشت في منزل لم أجد فيه كتاباً سوى القرآن الكريم، لكن جينات الفن كانت تناديني؛ فأنا أؤمن بأن الفن موهبة وإبداع وهبها الخالق للإنسان؛ ليعبر من خلالها عن نفسه ومحيطه.

بدأت موهبتي تظهر في سنوات طفولتي الأولى، لكنها تبلورت في المرحلتين الإعدادية والثانوية، وكانت لي مشاركات عدة ضمن مدرستي.

لوحات من معرض بيوت تسكننا ولا نسكنها

كان الفن يحيط بي من أكثر من جانب؛ ففي عائلتي أكثر من فنان، وبعد نيلي الشهادة الثانوية انتسبت برغبتي إلى كلية الفنون الجميلة، واستمر تميزي إلى أن تخرجت عام 1994، لأحصل بعدها على دبلوم الدراسات العليا عام 1995، وحالياً أحضّر لمناقشة رسالة الماجستير».

وعن العلاقة التي تربطه بمنتجه الفني، يقول: «أحب لوحتي، فهي صديقتي، وأنا أخلقها، وهي تساعدني على وجودها؛ تحاورني، وتشكرني، وتغادرني لتكون حاضرة في عالم الجمال؛ فالفن متعة ورسالة، أمارسه، وأستمتع به؛ لأنه يمنحني الكثير من التوازن والانضباط والحرية. ومن جانب آخر، هو مسؤولية؛ لأنه رسالة تجاه ما أقدمه للآخرين».

وعن المواضيع التي يتناولها في لوحاته، وطريقته بالرسم، يتابع قائلاً: «نشأت في بيئة متفردة برموزها ومفرداتها؛ من جبل ونهر وبادية، فأنا ابن مدينة “دير الزور” بما تحويه من مفردات وحضارة؛ فمن حقول
تكبير الصورة
لوحات بالأبيض والأسود لمدينة دمشق في ظل الحرب.jpg
القمح ولونها الذهبي، وتلويح النساء بفساتينهن الملونة، وأشجار “الحنظل” و”الزيزفون”، وزرقة مياه “الفرات”، كلها ألوان تعلوها سماء رمادية. ومن مفردات البيوت من “رحى”، و”مخمر”، و”بسط” ملونة، وأطباق قش كلها تمائم نتعبدها بحضرة الجمال، ولا تكتمل الصورة إلا بحضور قصص وحكايات الجدّات. كل ما سبق مفردات ورموز أغنت لوحاتي كباقي الفنانين الذين قطنوا “دير الزور”، وفي معظم لوحاتي كانت المرأة الفراتية حاضرة بكل حالاتها، وكان هذا عنوان مشروع تخرجي في كلية الفنون الجميلة، أنجزت لوحاتي بواقعية مبسطة، ثم انتقلت إلى المرحلة التعبيرية المختزلة التي يظهر فيها الكثير من اللون والتعبير والخط».

وعن لوحاته التي أنجزها في ظل الحصار الذي فرض على مدينته، يضيف: «قَدمتُ مؤخراً إلى “دمشق” بعد معاناة مع الإرهابيين طيور الظلام الذين حاربوا الحضارة والإنسان والجمال، قاومت متشبثاً بمنزلي ومتمسكاً بفني وريشتي في الوقت الذي أعدّ به الرسم نوعاً من الكفر يحاسب عليه الفنان، كان الرسم ملاذي الوحيد للهروب من ظلمهم، رسمت لوحات عدة بالخفاء، لكن السواد كان طاغياً ليعكس ظلمة الجهل. ومع ازدياد الوحشية، غادرت منزلي، تاركاً بعض لوحاتي في البيت الذي بات يسكنني ولا أسكنه، وهو ما حمل عنوان معرضي الأخير في صالة “ألف نون” في “دمشق” منذ أيام».

وتابع “النزهان”: «لوحاتي هي أبنائي، ولكل منها ذكرى تسعدني
تكبير الصورة
لوحة بعنوان شآم اهلك أحبابي وموعدنا.
أحياناً، وتحزنني أحياناً أخرى، منها ما يترك أثراً بنفسي كما في لوحتي التي أسميتها: “شآم أهلك أحبابي وموعدنا”، التي صورت بها حبي لـ”دمشق”، وزينتها بأبيات شعرية لـ”نزار قباني” و”محمود درويش”، في هذه اللوحة خرجت من اللون الأسود الحزين الذي ساد لوحاتي خلال الحصار إلى الأسود الملون الذي يوحي بالأمل، واليوم أعمل على لوحة بعنوان: “المرأة، والحب، والجمال” بما تحويه من تفاصيل وتطلع ورؤية، في هذه اللوحة أستشرف الأمل، وأقدّم نفسي من جديد».

وعن مسيرة “النزهان” الفنية، يحدثنا الفنان التشكيلي “إسماعيل نصرة” قائلاً: «تعرّفته منذ خمسة عشر عاماً، صديقاً وفناناً يعمل بلا كلل، نشطنا معاً وجمعنا أكثر من معرض، هو فنان صادق مع ذاته، غير منفصل عن لوحته، وهذه ميزة تعطيه أصالة وتفرداً، فهو ابن مدينة فراتية حملها معه في لوحاته، بشمسها ونهرها وبيوتها، بطريقة “هارموني” لطيفة، كما حملها في قلبه مضيفاً إليها رموزه الخاصة وأيقوناته التي تعبّر عن موروثه الشعبي والبيئي. أما من الناحية التقنية، فهو فنان متمكن من أدواته، يمتلك ذاكرة بصرية قوية؛ وهو ما يجعل لوحته غنية وثرية، تحمل قيماً تعبيرية عالية، وهو بالأساس فنان متمكن واقعياً وأكاديمياً؛ وهذا يجعله يعمل بحرية أكثر واستقرار أكبر، على صعيد الفكرة والمضمون والتكوين».

يذكر أنّ “جمعة النزهان” من مواليد “دير الزور” عام 1967،
تكبير الصورة
لوحات من معرض بيوت تسكننا ولا نسكنها.
عضو اتحاد الفنانين التشكيليين، ورئيس دائرة المسرح المدرسي في تربية “دير الزور”، حاصل على شهادة تقدير من معهد “ثربانتس” لفوزه بمسابقة “فكر بيدك” عام 2000، لديه معرض متجول داخل المحافظات السورية، وفي “بيروت” مع مجموعة (خمس تجارب شابة)، إضافة إلى العديد من المعارض الفردية والجماعية داخل “سورية” وخارجها. شارك إلى جانب عدد من الفنانين بتقويم 2017 الذي يهدف إلى دعم المجتمع الأهلي، ويعود ريعه إلى الجمعيات الخيرية في كافة المحافظات.

مقالات ذات صله