الأدب “الفراتي”… واقع الحياة ومرآة السكان

دير الزور

يمثل الأدب “الفراتي” النِّتَاج الفكري لـ”دير الزور” سواء في لغتهم العامية أم في أغانيهم وألغازهم وأساطيرهم؛ لأنه منبثق من واقع الحياة، فهو يختزل علاقات الناس وتجاربهم وآمالهم في سطور خالدة.

 

 

مدرس اللغة العربية “محمد الحمود” الذي قال: «نبغ في أنحاء وادي “الفرات” في كل العصور القديمة أعلام كثيرون في الأدب والفلسفة والعلوم طفحت بتراجمهم وسيرهم العطرة الكتب القديمة، لقد كان تأليف الكتب شائعاً في مدن “الفرات” وكان للسكان شغف زائد بالمعرفة واقتناء الآثار الفكرية والأدبية وتكوين المكتبات وقد شاركت المدن الفراتية القديمة مشاركة واسعة في الحركة الأدبية والفكرية وكان للقبائل العربية في بادية الفرات في الشامية والجزيرة الفراتية شعراؤها وأدباؤها وهم من يعتز بهم الأدب العربي أمثال: عمرو بن كلثوم التغلبي، وأبو زبيد الطائي، والأخطل التغلبي، ومنصور النمري، والعتابي التغلبي، أشجع السلمى، وأبو تمام، والبحتري الطائيين فضلاً عن الأدباء والعلماء الآراميين ولقد شجع حكام وادي الفرات وأمراؤه في العصر الأموي والعصر العباسي الحركة الأدبية وحركة التأليف قربوا الأدباء والكتاب ومنحوهم الإعانات الكبيرة».

وأضاف: «يعدّ الأدب الشعبي بالنسبة إلى سكان وادي “الفرات” ذلك الإنتاج الفكري الوجداني الذي شارك في إنتاجه الفراتيون عبر مئات السنين وعاشوا عليه، يتمثل في لغتهم العامية وفي أساطيرهم وغنائهم ومثلهم العامي ونوادرهم وألغازهم وقصصهم وأشعارهم، وهذا الأدب هو جانب من المأثورات الشعبية».

وأضاف: «لكل شعب أدبه الشعبي مصنوع بلغته العامية، ولكونه كذلك لا يفقده الميزة التي يتميز بها أي أدب، وفي “دير الزور” حاضرة وادي الفرات فنون من الأدب الشعبي تقوم كلها

على أساس اللهجة الديرية، وهي لهجة أقرب ما تكون إلى الفصحى غنية بمفردات حية دقيقة، ذلك أن “دير الزور” ملتقى عشائر عربية منذ عدة قرون، وسوق تجارية لها، لذلك فقد أخذ الديريون عن هذه العشائر كثيراً من مفردات اللغة والأمثال العامية والقصص والأخبار وحفظوا طرفاً من شعرها».

وأشار الباحث “عبد القادر عياش” في مجلة “صوت الفرات” حول الأدب الشعبي في وادي الفرات وقال: «تتوافر في الأدب الشعبي الفراتي الأسس التي يتطلبها الأدب ليكون أدباً ذا قيمة ومتعة، وأولها: أنه تعبير عن شعور الشعب وواقعه، وهو أدب يعبر عن معيشة الشعب وحياته في استمرارها وبمختلف ظروفها، ويسايرها ويعيش في حياة الشعب، والشعب يخصبه وينميه باستمرار ولقد عبرت الشعوب عن تاريخها ونفسيتها في أشكال أدبها الشعبي».

وأضاف: «يتفوق الأدب الشعبي الفراتي على الأدب الفصيح بعدة أمور منها أن الأدب الشعبي يصدر عن الحياة نفسها وهو شامل وعميق وبسيط، يهدف إلى التعليم والتسلية والناس يهوون قصصه؛ لأنها تنبثق عن واقع الحياة وتختزل علاقات الناس وتجاربهم وآمالهم».

وتابع: «إذا كانت قيمة الأدب بمقدار ما يرتاح الناس إلى قراءته ويفيدون منه فقد أثبت الأدب الشعبي أنه ذو قيمة كبيرة تفوق قيمة الأدب الفصيح، وليس كل الناس يقرؤون الأدب الفصيح؛ فالأدب الشعبي يتذوقه جميع الشعب، وللأدب الشعبي مُثله الأخلاقية فإنه يحث على الشجاعة والمروءة والكرم، وهو غني بشعر الغزل وبقصص

العشق والوقوف على الأطلال، والأدب الشعبي “الفراتي” ذو صلة وثيقة باللغة العربية لاحتوائه على ألفاظ عربية كثيرة، وذو صلة بالتاريخ السياسي لهذا الوادي وهو مرآة السكان».

كما له عدة قوالب وقد ذكرها الأستاذ “أحمد فواز” بالقول: «أولها الغناء وأنواعه كثيرة في “الفرات” منه غناء العمل أنشأه الفلاح والعامل، وهناك غناء النصبة والغراف وهي وسيلة لسقاية الحقل وهي عبارة عن جلد بقر أو جمل يربط بحبل ويمر على مخاله لتسحبه الدابة بعد أن يمتلئ الجلد بالماء ثم يصبه الفلاح في حوض متصل بساقية تأخذه إلى الحقل، وهناك “الهدي” لتنويم الطفل و”الهدي” من الهدهدة أي جعل الطفل يرقص، وهناك غناء “النعي والحداء” وهو غناء بكائي من فعل نعى ينعي نعياً؛ تنشده النساء أو القاصودة، وغناء المعماريين، و”الهوسات”، وغناء “الموليا وأبو الزلف” مما يغنى في الدبكات والأفراح و”العتابا”».

وأضاف: «ثاني تلك القوالب وأكثرها شيوعاً الأمثال العامية ويتجاوز عددها في “الدير” حسب تقدير “عبد القادر عياش” خمسة آلاف مثل، تدور مع ألفاظ اللغة وهي لاصقة بها متممة لها تصور البيئة الفراتية، وفيها ما يهدف إلى أخلاق العالية من الحث على الصبر والإباء والسماحة والشجاعة، فهي ناتجة عن تجارب الحياة».

وختم الآثاري “رامز علوان” بالقول: «كشفت التنقيبات الأثرية أن الشعر أقدم أنواع الإنتاج الأدبي نشأ من غناء سكان وادي الفرات -شعرهم نشأ معهم- وأخذوا منذ منتصف الألف الثالث قبل الميلاد يدونون أدبهم أي إنتاج فكري لهم وهو أقدم من جميع ما أنتجه الفكر البشري دونوا على ألواح رقم الطين فجاءنا منهم نماذج من أساطيل الخليقة وضروب المعارف والمشاعر وكانت من الوفرة على مر العصور أن نشأت المكتبات في معابد المدن وقصور الملوك والبيوت الخاصة ومن صميمها منطقة الفرات السوري التي تضم الجزيرة الفراتية، وكانت هذه المكتبات تحتوي على وثائق تاريخية وعقود ومعاملات تجارية وكتابات دينية وصلوات ومقطوعات في الأدب ومنظومات في الشعر».

* الصورة الرئيسية للشاعر “محمد الفراتي”.

مقالات ذات صله